ملف ملغوم يخشى منه الحاكم والمحكوم
التجنيس السياسي في البحرين
المشاهد السياسي
لا توجد هناك أعراف نهائية فيما يتعلق ببناء الدول وحضارات الشعوب، فالتشكّل الحضاري ينشأ نتيجة عوامل متشابكة تُسهم بمجموعها في خلق الهوية الثقافية والوطنية للدولة. إلا أنّ ذلك لا يمكنه أن يتم بشكل طبيعي إلا من خلال التوافق السلمي بين شركاء الأرض. وغياب ذلك يعني الصراع والمؤامرات المضادة.
فكيف يتأسّس التوافق بين شركاء الوطن؟
لا يتحقق ذلك إلا من خلال ثقة متبادلة، وأرضية من الحوار الوطني الصريح. ولعلّ مشكلة السلطة في البحرين تكمن في تعدّيها على هذه الركيزة، وتورّطها في سياساتٍ تكشف عن تشكيكها في الولاء الوطني لمواطنيها وارتباطهم بالأرض. وسيبدو مخيفاً أكثر حينما نجد أن السلطة عمِدت إلى اتباع سياساتٍ تتناقض مع الحرص على وطنية البحرين، وعلى مستقبلها الثقافي والسياسي، وهو ما يبعث على الدهشة والاستغراب، خاصة بعد أنْ أعلنت السلطة قبولها بالتحاور مع طموحات الشعب واستجابة للخيار السلمي وشعار الإصلاح السياسي!
ويتندر الكثير من المعارضين البحرينيين اليوم بان الفرق بين مملكة والت ديزني ومملكة البحرينيين يكمن في ان الاولى حقيقية وتستند الى نظام متقن وواقعي ومشروع حضاري والثانية مجرد وهم وخيال واطغاث احلام من قبل من يسيرونها.
ويقال في البحرين الان انه قد يتوقّف البعض عند انقلاب السلطة على دستور 73، ومخالفة التعهّدات المكتوبة والشفهية وما تضمنته >ورقة الميثاق< باعتباره العلامة الأبرز على التعدّي الرسمي المُشار إليه. إلا أنّ هذا الانقلاب يُشكّل مؤشراً على واقع التعدّي السلطوي وليس علامة نهائية! فهناك أطراف قوية في السلطة لم تكن راغبة في تسريع عجلة الإصلاح السياسي، وتعاطتْ مع الموضوع من منظور مصلحيٍ واضطراري.
ولهذا خلتْ كلّ مبادرات السلطة من الجدية والرغبة الحقيقية في الإصلاح الكامل، وظلتْ متمسكة بالخطوات التجزيئية التي لا تعالج لبّ الأزمات التي عانى منها الناس خلال الفترات السابقة. وقد كانتْ إرادة الإصلاح الحقيقي لدى قِوى المعارضة سبباً في تساهلها مع التلكؤ الرسمي، واعتمادها لغة مهذّبة جداً في وصف سياسات السلطة التراجعية والتخريبية. ولكن ذلك لم يكن بمقدوره أنْ يحجب حقيقة الأمور في الواقع، فالسلطة كانت تُعبّر عن استخفاف واضح بشعارات الإصلاح، ولم توفّر يوماً ما
المقدمات الجادة التي يتطلبها نقل هذه الشعارات إلى حيز التطبيق. وكان الانقلاب الدستوري في شباط (فبراير) 2002 مؤشراً على ذلك، وأشار الجميع إلى ضرورة تمحيص خطاب السلطة وسياساتها جيداً، للوقوف عند بقية المؤشرات الأخطر. وفي مقدمتها مشروع >التجنيس السياسي< .
وفي نظر الناشطين البحرينيين في مجال حقوق الانسان والتشبث بالعدالة الاجتماعية فان مفهوم >التجنيس السياسي< قد ينعكس سلبا وخطرا على المجتمع في أكثر من مجال. فخلال المراحل السابقة، كانت علاقة التجاذب بين السلطة والمعارضة تعبر عن شعور متبادل بعدم التوافق والانسجام. فالسلطة كانت ترفض الاعتراف بأخطائها، وتترفّع عن الجلوس إلى جانب المعارضة والتحاور معها بل تعتبر ذلك عيباً ونيلاً من سيادتها وهيبتها. بينما كانت المعارضة، بكلِّ تقاسيمها، تصرُّ على تغيير الواقع السياسي في البلاد، والرجوع إلى مكتسبات دستور 73 كحد أدنى. ومن ذلك كان يتضح أنّ محور التجاذب بين الطرفين؛ هو الإصلاحُ السياسي.
كان الواقع الشعبي يمثّل القاعدة الأساسية للمعارضة وهي تُحرِّك شعارها في ضرورة إصلاح السلطة السياسية في البحرين. وبفضل العطاءات الشعبية تمكّنت قِوى المعارضة من تحقيق مصداقيتها الكاملة، وأصبحتْ السلطة تواجه مأزقاً سيكولوجيا وسياسياً نتيجة السند الشعبي القوي لمطالبات الإصلاح السياسي. وفي حين كانت جدية الدخول في مرحلة >الإصلاح< تفترض الإذعان لهذا الواقع، والتراضي عليه، نجد أنّ السلطة ـ فيما يؤكد تهافت شعاراتها الإصلاحية ـ ناورتْ على تلك الحقيقة، وأعدت عدتها للالتفاف على المحور العددي الشعبي، وذلك من خلال إدخال مجموعات سكانية مستجلبة من الخارج، يكون ولاؤها للسلطة أساساً وحيداً لمنحها الجنسية البحرينية، وبالتالي إشراكها في إدارة المجتمع السياسي والاجتماعي والثقافي البحريني.
عناوين
ويتفق المعارضون البحرينيون الشيعة والسنة على ان الأجهزة الرسمية استعملت سلطتها لمنح الجنسية لأقوام لا يهمهم أن يُستعملوا لتنفيذ مخطط التغيير في الديموغرافيا السياسية في البلاد. ومن الواضح أنّ هذا المخطّط تتداخل فيه العناوين التالية:
ـ تغيير التركيبة السكانية (الاتجاهات والثقافات)
ـ إحداث الخلل في التوزيع العددي للسكان.
ـ تنويع مداخل الطائفية السياسية
ـ خنق القنوات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تكوِّن الهوية الوطنية للبحرين.
ولكي تتحقّق أهداف هذا المخطط، فإنّ الوقود البشري المجنس المستخدم للتنفيذ يُراعى أن يكون مستورداً من مناطق ودول معينة، تكون السلطة قد خبُرت إخضاعه لمشاريعها التخريبية، أمنياً وسياسياً، وكوّنت معه تاريخاً طويلاً من التطويع للأوامر وسياسات القمع. وبحكم التكوين البدوي لهؤلاء المستجلبين للاستيطان ومحدودية خلفياتهم الثقافية والإبداعية؛ فإنّ تجييرهم من قِبل السلطة يكون أسرع وأكثر يُسراً . كما
جرى التركيز على توطين هذه المجموعات البشرية المستجلبة في مستوطنات ثابتة ومتنقلة لتؤدي الغرض التخريبي المستقبلي بنحو كامل. وكذلك فإنّ هناك انتباهاً إلى توزيع مواقع التواجد الوظيفي للمستوطنين الجُدد، فإلى جانب تركّزهم في وزارات الدفاع والداخلية والمؤسسات الحكومية الحسّاسة، فإنّ تواجدهم المهني والوظيفي بدأ يتسع ليشمل المهن العامة والخاصة، وهو ما يُشير إلى طابع التغلغل السريع داخل البناء الاجتماعي والاقتصادي في البحرين، مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات ثقافية واقتصادية في غير صالح المواطنين.
وفي الإجمال فإنّ هذه الاستهدافات المنظّمة في التخريب السكاني، تجتمع لتأدية الغرض السياسي الاستراتيجي، وبالتلاعب بالمسار السياسي القادم بما يتلاقى مع طموح السلطة في الاستفراد بالحكم واحتكار القرار السياسي، وتقليل الأثر الشعبي في توجيه معادلات القِوى المُعارضة في الداخل.
إيهام
ولا يستبعد البحرينيون في دراستهم لاسباب هذا التوجه الحكومي، البُعد الانتخابي في جريمة التجنيس السياسي. وفي هذا يقولون ان السلطة حاولت باستمرار إيهام المراقب والمهتم بشؤون المنطقة أنّ عدد الشيعة ليس أكثر من عدد السنة. وهي التي تدار بعقلية رئيس الوزراء الذي كان يضيف عدداً من السنة في الحصة المعينة للمجلس السابق الذي حل في سنة 1975 ليبدو أنّ الطائفتين متساويتان تماماً في العدد، ولم يغب عن رأسه المخاوف بأنّ التركيبة الديموغرافية في بلد دكتاتوري وطائفي قد تغير موازين القوى.
هذه المخاوف التي غذتها الدوائر الأجنبية والعناصر الخارجية التي أرادت التمسك بمواقعها، وخاصة في أجهزة الأمن، انعكست سلباً على حقوق المواطنين، وانعكست سلباً على مسألة التجنيس من أجل تحقيق تساوٍ ظاهريٍ للطائفتين اللتين يتشكل منهما شعب البحرين في حالة إجراء أية انتخابات، وتم على ضوء هذا التخوف تجنيس عشرات الآلاف من أبناء السنة عرباً وغيرَ عربٍ لاستخدامهم وقوداً في العملية الانتخابية واستغلال أصواتهم في بيان التركيبة السكانية غير الحقيقية التي يتألف منها شعب البحرين وشل المجلس تماماً من أي معارضة شعبية إضافة إلى تفريغه من أي عمق ديمقراطي.
وفي منتصف السنة (الماضية) ومخافة ألا تتمكن السلطة من الاستمرار بالتجنيس، بنفس الوتيرة السابقة، بعد تشكيل المجلس المعين نصفه تمّ تجنيس أعداد كبيرة جماعات وفرادى. واعترف موظف في دائرة الهجرة والجوازات في لقاء نظمته جمعية الصحفيين البحرينية في شهر تموز (يوليو) 2002 بتجنيس ستة آلاف شخص فقط من 24 دولة مختلفة ولعله يشير إلى من تم تجنيسهم في الشهر الأخير.
وسابقا، منعت السلطة أعضاء لجنة تفعيل الميثاق الذين عينتهم من الخوض في موضوع التجنيس واستمرت في مشروعها دون هوادة، ثم غيرت قانون الجنسية ليتمكن المجنسون الخليجيون من التصويت وهم في بلدانهم، ورفعت السلطة القانون الذي يمنع المجنسين من التصويت حيث ينص على عدم أحقيتهم في المشاركة السياسية بالترشيح والتصويت قبل انقضاء عشر سنوات على منحهم الجنسية، بموجب قانون الجنسية البحريني لعام 1963، وسمح للعسكريين بالمشاركة في الدورة الثانية للانتخابات البلدية وهو ما كان مخالفاً للقانون سابقاً ثم أجبروا على التصويت وألزموا بالضغط على ذويهم كذلك في الانتخابات شبه البرلمانية في تشرين الاول (أكتوبر) 2002 ووضعت مواد دستورية تعطي شرعية للتجنيس وعدم قدرة على سحب جنسياتهم غير القانونية (مادة 17 وثيقة 2002)، ووزعت الدوائر الانتخابية في الانتخابات البلدية وشبه البرلمانية بشكل طائفي وعنصري بحت.
وقد أدت هذه الإجراءات إلى تقليص عدد ممثلي المجالس البلدية من الشيعة وازدياد عدد السنة وهو لا يمثل النسبة الحقيقية لأعداد الطائفتين بل يشير إلى مقدار التلاعب والتآمر الذي قام به النظام، وهو ما اعتبرته السلطة أحد الأهداف الرئيسية التي تحققت من مشروعها في تحجيم الطائفة الشيعية وتقليل عدد نوابها في المجلس فحصل أبناء الشيعة فقط على 23 مقعدا من أصل 40 وهم الذين يمثلون أكثر من 70% من عدد السكان قبل عمليات التجنيس حسب مصادر مختلفة.
نوايا
وعند الرصد التاريخي لظاهرة التجنيس السياسي، يتضح انه و في بداية تسعينيات القرن الماضي سرتْ شائعاتٌ تتحدث عن وجود مخطط لتجنيس 10 آلاف من بدو السعودية، وهم المتواجدون في أطراف المنطقة الشرقية منها وبين الرياض، وهم ينتمون إلى قبيلة الدواسر. وبحسب الرواية فإنّ السلطة لم توفّق لإغراء هؤلاء وإقناعهم بالقدوم إلى البحرين. كان ذلك بين عامي 1990 ـ 1991 وبين عامي 93 ـ 94 برزت المؤشرات القوية على استقدام وتجنيس مواطنين من سورية، وإشراكهم في الخدمات التي يتمتع بها المواطنون. وظهرت في هذه الفترة تبرمات في مناطق مختلفة من البحرين (مدينة حمد، وقرى جو وعسكر)، تشكو من الإزعاج الخدمي والاجتماعي الذي مثله استقدام هؤلاء، ووصلت بعض التبرمات إلى حدّ رفع شكاوى احتجاجية إلى السلطة.
وفي سنة 96 ـ 97 بدأت تتبلور المسألة إلى حدود الظاهرة العامة، وأخذت عملية التجنيس المنظم تتوسّع لا سيما من صحارى سورية والأردن. وفي هذا التاريخ وصلت رسالة من وزارة الخارجية البريطانية إلى >اللورد إيفبري< ، نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس اللوردات البريطاني، تُقدِّر أعداد المجنَسين بـ 8 آلاف وبأنهم يعملون أساساً في وزارة الدفاع وبنسبة أقل في وزارة الداخلية.
وبعد الدخول في المرحلة الجديدة وطرح وثيقة >ميثاق العمل الوطني< استمرت الأخبار والتسريبات حول هذا الموضوع بلا توقف. ففي هذه الفترة بدأت أكبر عملية تجنيس للمستقدمين في الفترة بين 94 ـ 98، والذين تمّ استيرادهم للعمل في الدفاع والداخلية. إلا أنّ عملية الاستقدام في هذه المرحلة لم تتوقف نهائياً، فهناك مؤشرات متعددة تشير إلى استجلاب عددٍ من البلوش والعرب للعمل في قوّة الدفاع، وبأن دائرة الهجرة والجوازات سلّمتهم جنسية البلد ومنحتهم الجوازات البحرينية.
وقد تركزَ الأمرُ على الجنسيات الأردنية واليمنية وبعدها البلوشية الباكستانية. كذلك فإن هناك حركة ناشطة لتجنيس أعداد كبيرة من المدرسين المصريين والأردنيين وغيرهم.
وما يُثير القلق أكثر في هذه الحالات، هو أنّ أعداداً كبيرة من الذين يتم الإتيان بهم للعمل في وزارة الدفاع والداخلية، يجري التعاطي معهم على أنهم أتوا إلى البحرين للتواجد فيها والحصول على الجنسية، فتُخلق الأرضية المناسبة لذلك ويحصلون عليها.
ويُضاف إلى ذلك ما يُطرح عن وجود مكاتب في الخارج تُسهِّل إجراءات الحصول على الجنسية، كما هو الحال مع عوائل معينة في المنطقة الشرقية، حيث تُيسرُ لهم أمور التجنُس متى أرادوا ذلك. وفي هذا السياق نفسه تتوجّه الأخبار إلى قبيلة الدواسر والتي تُمنح خصوصيات معينة من قِبل السلطة في موضوع التجنيس بدعوى أنها عاشت فترة من الزمن في البحرين. وهو منطق لو صحَ فلا بد من القياس عليه بالنسبة إلى العائلات والقبائل التي تعيش في البصرة والمحمّرة والإحساء والتي كان لها يوماً ما تواجدٌ في البحرين. ولا يخفى على أحد أن فتح الباب على مصراعيه، وفق هذا المنطق، سوف يجعل البحرين فائضة بالمجموعات السكانية بشكل لا يُتصور. وفي كل الأحوال فإنّ تساؤلاً لا بد من أن يُطرح بخصوص واقع التجنيس في منطقة الدواسر، حيث استخدمت وسائل مختلفة لإدارة عملية التجنيس السياسي، وبأرقام مخيفة جداً، تتراوح بين 10 آلاف إلى 100 ألف.
نقطة ضوء هامة
ويؤكد البحرينيون ان مشروع السلطة القائم حالياً على هز المجتمع السياسي البحريني وتفكيكه على المدى المستقبلي، ينبني على استقدام كتل بشرية تحمي احتكارية السلطة وتُشتّت اتجاهات الفعل الشعبي المعارض. ولتأدية هذا الدور فإن المهمة منوطةٌ تحديداً بالمجموعات المستقدمة من سورية والأردن واليمن وبعض القبائل العربية. وبالتالي فإنّ التنديد الشعبي بمُخطط التجنيس المنظّم لا علاقة له بالحقوق الطبيعية لما يُعرف بـ>البدون< الذين وُلِدوا في البحرين ومثّلوا قيمةً






















